محمود توفيق محمد سعد

166

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

واستمر سبحانه وتعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنّه شامل العلم ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذين اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جلّ مبناه القلب الذي هو غيب ، فقال مشيرا إلى أنّ النّاس الذين خوطبوا أول تلك تأهلوا لأول أسنان الإيمان « 1 » ووصفوا بما هم محتاجون إليه ، وتخصيصهم مشيرا إلى أنّ من فوقهم من الأسنان « 2 » عندهم من الرسوخ ما يغنيهم عن الحمل بالأمر ، وذلك أبعث له على التدبّر والامتثال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ( المائدة : 1 ) أي ادّعوا ذلك بألسنتهم ( أوفوا ) أي صدقوا ذلك بأن توفوا ( بالعقود ) « 3 » هذا نظر إلى رأس المعنى في سورة " النساء " وكيف أنه كالمهاد لما هو أصل المعنى في سورة " المائدة " ففي سورة " النساء " تمهيد بمخاطبة من كانوا في الدرجة التي لم يتأهلوا فيها بالنداء عليهم ب " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " ، كما كان افتتاح " المائدة " بل كان النداء عليهم ب " يا أَيُّهَا النَّاسُ " ، وهذا أدنى درجات الخطاب ، وأعمها . وأنت إذ تنظر إلى النداء في سورة " النساء " تجد أنها استفتحت ب " يا أَيُّهَا النَّاسُ " ( ي : 1 ) ، وختمت بذلك ( ي : 170 ، 174 ) وجاء في ثبجها ( ي : 133 ) وكان النداء ب " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فيها مكنوفا بهذا ولم يزد على عشر مرات على الرغم من طول سورة " النساء " وسورة " المائدة " لم يأت فيها النداء ب " يا أَيُّهَا النَّاسُ " قط ، بل كان النداء ب " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " ست عشرة مرة على الرغم من أنّها أقلّ عدد آيات وكلمات من سورة " النساء " ويقول في مناسبة أوّل " الأنفال " لآخر " الأعراف " : " وأمّا مناسبة أولها لآخر تلك فقد تبين أنّ آخر " الأعراف " آخر قصة موسى عليه السّلام المختتمة بقصة " بلعام " وأنّ ما بعد ذلك إنما هو تتمات لما تقدم لا بدّ منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهلهم لعنديته سبحانه وتعالى بإذعان وتمام الخضوع ، فلمّا أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية اقتضى ذلك سؤالا عن حال الذين عند المخاطب صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا فأجيب بقوله تعالى ( يسألونك ) أي

--> ( 1 ) - يقصد : الذين آمنوا ، فهم أدني أسنان الطاعة والقرب . ( 2 ) - يقصد : المؤمنين والمتقين والمحسنين فهذه أسنان أعلى من سن الذين آمنوا . ( 3 ) - نظم الدرر : ج 6 ص 2